الخطيب الشربيني
344
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الحدود عسر الله تعالى عليه أموره : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي : يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجادا مستمرا ليجعل بينهم وبين سخطه وقاية من طاعته ، اجتلابا للمأمور واجتنابا للمنهي . يَجْعَلْ لَهُ أي : يوجد إيجادا مستمرا باستمرار التقوى ، إن الله لا يمل حتى تملوا مِنْ أَمْرِهِ أي : كله في النكاح وغيره يُسْراً أي : سهولة وفرجا وخيرا في الدارين بالدفع والنفع ، وذلك أعظم من مطلق الخروج المتقدم في الآية الأولى ، وقال مقاتل : ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في توفيقه لطاعته . ذلِكَ أي : الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب أَمْرُ اللَّهِ أي : الملك الأعلى الذي له الكمال كله أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وبينه لكم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي : الذي لا أمر لأحد معه في أحكامه فيراعي حقوقها يُكَفِّرْ أي : يغط تغطية عظيمة عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ليتخلى عن المبعدات ، فإن الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً بأن يبدل سيئاته حسنات ، ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفة فيتحلى بالقربات ، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم . أَسْكِنُوهُنَّ وقال الرازي : أسكنوهن وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات ؟ فقيل : أسكنوهن . وقوله تعالى : مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ فيه وجهان : أحدهما : أن من للتبعيض ، قال الزمخشري : مبعضها محذوف ، معناه : أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم ، أي : بعض مكان سكناكم كقوله تعالى : يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ النور : 30 ] أي : بعض أبصارهم . قال قتادة : إن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه . قال الرازي : وقال الكسائي : من صلة ، والمعنى : اسكنوهن حيث سكنتم . والثاني : أنها لابتداء الغاية ، قاله الحوفي وأبو البقاء . قال أبو البقاء : والمعنى : تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم ، ودل عليه قوله تعالى : مِنْ وُجْدِكُمْ أي : من وسعكم ، أي : ما تطيقونه وفي إعرابه وجهان : أحدهما : أنه عطف بيان لقوله تعالى : مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وإليه ذهب الزمخشري وتبعه البيضاوي . قال ابن عادل : أظهرهما أنه بدل من قوله مِنْ حَيْثُ بتكرار العامل ، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل : أسكنوهن من وسعكم . وَلا تُضارُّوهُنَّ أي : حال السكنى في المساكن ولا في غيره لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ حتى تلجؤهن إلى الخروج وَإِنْ كُنَّ أي : المطلقات أُولاتِ حَمْلٍ أي : من الأزواج من طلاق بائن أو رجعي فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ وإن مضت الأشهر حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فيخرجن من العدة ، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن والأحاديث تؤيده . قال القرطبي : اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال : فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها ، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة ، ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس قالت : « دخلت إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ومعي أخو زوجي ، فقلت : إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة ، قال : بل لك السكنى والنفقة ، فقال : إن زوجها طلقها ثلاثا فقال صلى اللّه عليه وسلم : إنما السكنى والنفقة لمن له عليها رجعة » « 1 » فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك فإن أصحاب عبد الله يقولون :
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 416 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 473 ، 474 ، والدارقطني في سننه 4 / 22 .